الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

12

مختصر الامثل

مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ » . من المسلم أنّ أولئك لم يكونوا يستطيعون إدّعاء كون أيّ من المخلوقات من خلق الأصنام ، وعلى هذا فإنّهم كانوا يقرّون بتوحيد الخالق ، مع هذا الحال كيف يستطيعون تعليل الشرك في العبادة ؛ لأنّ توحيد الخالق دليل على توحيد الرب وكون مدبّر العالم واحداً ، وهو دليل على توحيد العبودية . ولذلك اعتبرت الآية عمل أولئك منطبقاً على الظلم والضلال ، فقالت : « بَلِ الظَّالِمُونَ فِى ضَللٍ مُّبِينٍ » . ومعلوم أنّ « الظلم » له معنىً واسعاً يشمل وضع كل شيء في غير موضعه ، ولما كان المشركون يربطون العبادة ، وتدبير العالم أحياناً بالأصنام ، فإنّهم كانوا مرتكبين لأكبر ظلم وضلالة . وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 12 ) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( 13 ) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 ) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 15 ) لتكميل البحوث السابقة حول التوحيد والشرك ، وأهميّة وعظمة القرآن ، والحكمة التي استعملت واتّبعت في هذا الكتاب السماوي ، فقد ورد الكلام في هذه الآيات التي نبحثها والآيات الأخرى التالية عن لقمان الحكيم ، وعن جانب من المواعظ المهمة لهذا الرجل المتألّه في باب التوحيد ومحاربة الشرك . إنّ هذه المواعظ العشرة التي ذكرت ضمن ستّ آيات ، قد بيّنت بأسلوب رائع المسائل العقائدية ، إضافةً إلى أصول الواجبات الدينية والمباحث الأخلاقية . لقد ورد اسم « لقمان » في آيتين من القرآن في هذه السورة ، وأنّ أسلوب القرآن في شأن